يمرّ قطاع الطاقة في العالم بمنعطفٍ حساس يجمع بين اعتبارات الازدهار الاقتصادي والتغير المناخي وضرورات أمن الطاقة. يواكب فيه التحولات والتطورات التقنية التي ساهمت بالاستفادة من مصادر الطاقة المختلفة لتنويع مزيج الطاقة، الذي انعكس على المنظومات الكهربائية نحو تنويعٍ أعمق في مزيج الطاقة، ورفعٍ لمستويات الرقمنة، وتوسيعٍ لدور الشبكات الذكية في شبكات نقل الكهرباء وتوزيعها. في هذا السياق يبرز الذكاء الاصطناعي لا كمجرّد أداة حسابية، بل كإطارٍ تشغيلي متكامل يحوّل وفرة البيانات إلى قرارات قابلة للتنفيذ تُحسّن الكفاءة وترفع موثوقية الإمداد وتُخفّض الانبعاثات على امتداد دورة الحياة. والمقاربة هنا محايدةٌ مصدرًا؛ فالمطلوب هو الاستخدام الأمثل لجميع المصادر: تحسين كفاءة التوليد في الوحدات الحرارية والغازية، وتفعيل الدمج الأمثل للطاقة الكهروضوئية والرياح والتخزين، وتعزيز إدارة الأحمال، مع مراعاة أسواق الكهرباء وتعريفة الاستهلاك لتحقيق العدالة للمستهلكين والمرونة للمرفق.
تبدّلت ملامح التشغيل اليومي للشبكات. فالتقلب الطبيعي في إنتاج الشمس والرياح، والتحولات السريعة في أنماط الطلب اليومي والموسمي، واحتمالات انقطاع الخدمة أو الانقطاعات المجدولة، وتبدّل السلوك الاستهلاكي، كلها عوامل تفرض الانتقال من أساليب حدسية إلى منظومةٍ قائمة على القراءة الدقيقة للحظة الشبكة والتوقّع الموثوق لما سيأتي خلال ساعاتٍ وأيام، ثم ترجمة ذلك إلى قراراتٍ تشغيلية صائبة. هنا تتبدّى قيمة الذكاء الاصطناعي عبر حلقاتٍ متساندة: التنبؤ متعدّد الآفاق الذي يغذّي التخطيط اليومي والأسبوعي، والتقدير الفوري للحالة الذي يضبط القرار لحظة بلحظة، وطبقة التحسين التشغيلي التي تترجم هذه الرؤى إلى إرسالٍ اقتصادي وتشغيلٍ أكثر كفاءة مع إسنادٍ دائم للصيانة الوقائية ورفع الجاهزية عبر القراءة المبكرة لمؤشرات الأعطال.

الشكل (1): رسم ثلاثي الأبعاد يوضح شبكة كهربائية ذكية تربط محطات الرياح والشمس والتخزين بالمدن وخطوط النقل ومراكز التحكم عبر قنوات اتصال رقمية، مع إبراز طبقات التحسين والتحكم. المصدر: المختبر الوطني للطاقة المتجدّدة.
في قلب هذا التحوّل يقف نظام دعم القرار القائم على الذكاء الاصطناعي للتحكّم في الشبكة، وهو بمثابة العقل التشغيلي الذي يصل البيانات بالفعل. بنيته الوظيفية تتدرّج في طبقاتٍ متناسقة: استيعابٌ وحَوْكمةٌ عبر قنواتٍ آمنة تلتقط القياسات وتُنظّف البيانات وتسدّ الفجوات وتضبط القواميس الاصطلاحية؛ تقديرٌ فوري للحالة يستنتج الصورة الداخلية للشبكة وهوامش الأمان على المكوّنات الرئيسة في شبكة النقل الكهربائية وشبكة التوزيع؛ تنبؤٌ متعدّد الآفاق للأحمال والإشعاع الشمسي وسرعات الرياح بوسائل إحصاء متقدّم وتعلّمٍ آلي مع تعريفٍ صريح لفترات الثقة؛ تحسينٌ تشغيلي لمسائل الإرسال الاقتصادي والالتزام بالوحدات وجدولة التخزين وإعادة التشكيل وضبط الجهد والقدرة غير الفعالة؛ تحليل سيناريوهاتٍ ومخاطر يختبر فقدان عناصر أو اضطرابات الطقس ويقارن بين التدابير العلاجية؛ ثم واجهةٌ تُبقي الإنسان في الحلقة، تُظهر حيثيات التوصية وحدودها ومؤشرات الثقة وتنبيهات الانحراف عن نطاق الصلاحية. وتُغلق الحلقةُ منظومةُ سلامةٍ واعتماديةٌ تشمل توأمًا رقميًا يختبر المقترحات داخل صندوقٍ رملي قبل دفعها إلى الشبكة الحيّة، مع تسجيل الأثر على الوقود والفاقد وجودة القدرة والانبعاثات، وطبقاتٍ من الحماية السيبرانية تفصل البيئات التشغيلية والمكتبية، وتُشفّر قنوات القياس والتحكّم، وتَرصد الشذوذ في سلوك الأجهزة الطرفية، وتُفعّل خطط الاستجابة للحوادث.
ويجد هذا التصوّر ترجمةً عمليةً في المملكة عبر تعاون (إينوا) في نيوم مع جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست)، حيث تُطوَّر منظومات تنبّؤ دقيقة للإشعاع الشمسي وسرعات الرياح، وتُربط بنتائج التقدير الفوري للحالة وتوأم رقمي يختبر السيناريوهات قبل الدفع بها إلى الشبكة الحيّة. وتتساند هذه المنظومات مع خوارزميات التحسين التشغيلي للإرسال الاقتصادي، وجدولة التخزين، وإدارة الاحتياطيات، ضمن نظام دعم قرار يُظهر حدود الثقة ويُبقي الإنسان في الحلقة. بهذه المقاربة تتقلّص الفواقد، وتتعزّز مرونة المنظومة، ويُتاح استيعابٌ أوسع للمصادر المتجدّدة دون مساسٍ باستقرار النظام الكهربائي وجودة القدرة.
وتتجلّى فاعلية هذا النظام في سيناريوهاتٍ واقعية. فإذا ارتفع الحمل الذروي في منطقة حضرية، ورَصد التقدير الفوري اقتراب تيّار خط ناقل من حدّه الحرِج، يقترح النظام خلال ثوان حزمة إجراءات منسّقة: إعادة تشكيل موضعية على مستوى التوزيع لتفريغ المسار المزدحم، تشغيل دعم تفاعلي لتحسين معامل القدرة والحدّ من الفاقد، رفع إنتاج وحدة قريبة عالية الكفاءة ضمن حدود الانبعاثات والتكاليف، جدولة تفريغٍ محدود من التخزين، وإرسال إشعار سريع لبرنامج إدارة الأحمال إلى المشتركين الصناعيين القابلين للترحيل الزمني. تُعرض الخيارات مع تفسيرٍ موجز لسبب التوصية وحدودها التشغيلية، وتقديرٍ رقمي للأثر المتوقع على الخسائر والوقود والانبعاثات ومؤشرات الجهد. وبهذه المقاربة يُخفَّض خطر انقطاع الطاقة الكهربائية، ويتحسّن مؤشر متوسط مدة الانقطاع على مستوى النظام.
ويمتد الأثر من القرار اللحظي إلى إدارة جانب الطلب على المدى القصير والمتوسط. فالتشخيص السلوكي يُحدّد الشرائح القابلة للترحيل الزمني ضمن منحنى الأحمال، وتُصمَّم حوافز تعريفة الاستهلاك الزمنية أو الإشعارات الفورية لتقليل الاستهلاك في أوقات الذروة (قصّ الذروة) وتحويله إلى فتراتٍ أكثر مرونة. ومع اتّساع نشر العدادات الذكية وارتفاع دقّة قراءة العدادات وتكامل الأنظمة مع مركز الأحمال، يصبح امتصاص موجات الطلب ممكنًا ذاتيًّا، وتتحسّن موازنة الحمل الكهربائي وجودة الخدمة مع تأجيل ترقياتٍ رأسمالية مكلفة. وعلى الصعيد التطبيقي في المملكة، استكملت الشركة السعودية للكهرباء تركيب أكثر من عشرة ملايين عدّاد ذكي وربطتها بمنصّة إدارة بيانات العدّادات، ما يتيح جمع القراءات الزمنية الدقيقة والتحقّق منها آليًّا وفق كود القياس، وتغذيتها لنماذج التنبؤ القصير والمتوسط بالأحمال. ويُمكّن ذلك من رصدٍ لحظي لتدفّقات القدرة والجهود على شبكة النقل الكهربائية وشبكات التوزيع، وتفعيل برامج إدارة الأحمال، ودعم الصيانة الوقائية التنبؤية عبر كشف مؤشرات الأعطال مبكّرًا. بهذه البنية البياناتية ترتفع الموثوقية، وتتراجع الفواقد، وتُدار الذُّروات بكفاءة، تمهيدًا لتكاملٍ أوسع مع التوليد المتجدّد.
وعلى مستوى الأصول، يعالج الذكاء الاصطناعي إشارات الاهتزاز والحرارة والتوقيعات التيارية لاكتشاف مؤشرات الأعطال المبكرة في محطات التوليد ومحطات النقل ومحطات التوزيع ومحوّلات القدرة. تُجَدول الصيانة الوقائية والتنبؤية وفق درجة الخطورة، وتُستبدل القطع في توقيتٍ أمثل، ويُقلَّص التوقف الاضطراري. وتتضاعف فاعلية ذلك مع التوأم الرقمي للأصول؛ إذ تُحاكى السيناريوهات التشغيلية وتُجرَّب الإجراءات قبل تطبيقها على الشبكة الحيّة، فيتحسّن الاستثمار على امتداد دورة الحياة وتزداد موثوقية المرفق.
ومن منظور الاستدامة، لا يستهدف التحوّل إقصاء أي مصدر، بلالاستخدام الأمثل لجميع المصادر ضمن مزيجٍ متوازن. تُحسَّن المحطات الحرارية والغازية عبر رفع كفاءة التوليد وتقليل بدء التشغيل وإيقاف التشغيل غير الاقتصاديَّين، واستخدام التقنيات لإدارة الانبعاثات، وتُدار قابلية التذبذب في الشمس والرياح عبر التنبؤ والتقدير الفوري والتخزين وإدارة الأحمال، فيرتفع الاستخدام الفعلي للطاقة النظيفة من دون مساسٍ بالموثوقية. ويضاعف تبنّي مبادئ الكفاءة والاقتصاد الدائري أثر هذه المقاربة عبر إطالة عمر الأصول، وتضييق الفاقد، وإبطاء دورات الاستبدال. ولقياس النتائج بموضوعية، تُعتمد مؤشرات كهرباء واضحة تُراجع دوريًّا: دقّة التنبؤ وتغطية عدم اليقين، زمن الاستجابة، الانحراف في ذُرى الطلب، حجم الحمل المُرحَّل عبر برامج إدارة الأحمال،مؤشر النظام لقياس متوسط مدة الانقطاع، جودة القدرة، كفاءة استخدام الوقود، والعائد على الاستثمار في القياس المتقدّم والأتمتة.
ويبقى النجاح مرتبطًا بمعالجة التحديات التقنية والمؤسسية. فالأمن السيبراني يحتلّ الصدارة لتساند منظومات تقنية المعلومات مع منظومات تقنية العمليات الصناعية واتّساع سطح التعرّض للبرمجيات الخبيثة وبرمجيات الفدية والتصيّد وعبث البيانات وهجمات حجب الخدمة وتهديدات الداخل. ويقتضي ذلك دفاعًا متعدد الطبقات: فصل البيئات التشغيلية والمكتبية، وتشفير قنوات القياس والتحكّم، ورصد الشذوذ السلوكي في الأجهزة الطرفية، والتدريب الدوري، واختبارات تحمّل وخطط استجابةٍ للحوادث. أمّا تحدّي الكلفة والبنية فيتعلّق بالاستثمار في القياس المتقدّم والاتصال الصناعي الآمن ومنصّات التحليل ومراكز التحكّم؛ غير أن العائد يظهر في خفض النفقات التشغيلية وتأجيل التوسعات بفضل الصيانة الوقائية وإدارة الأصول القائمة على الأدلة. ويكتمل المشهد بإطارٍ تنظيمي واضح لقواعد تبادل البيانات وحماية الخصوصية ومعايير الأمن، وبآليات سوق تعترف بقيمة المرونة وخدماتها، وتشجّع الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وتدعم البحث والتطوير وبناء القدرات كل ذلك من دون تحيّزٍ لمصدرٍ بعينه، بل دفعٍ دائم نحو مزيج أمثل يتكيّف مع خصائص كل منطقة ويوازن بين أمن الإمداد والاستدامة والقدرة على تحمّل الكلفة.
ختامًا، يتكرّس عالميًا دورُ الذكاء الاصطناعي بوصفه حجر الزاوية في التنبؤ متعدّد الآفاق، والتقدير الفوري للحالة، ورفع مرونة المنظومات، مع بقاء تحدّيات موثوقية الإمداد وتكلفة التحديث والحماية السيبرانية، وهي تحدّيات تُخفَّف بسياسات رشيدة وأسواق فعّالة وحوكمة بيانات محكمة.
وفي المملكة العربية السعودية، يلفت التوجّه الوطني الأنظار بوضوح رؤيته وانضباط تنفيذه؛ إذ يجمع بين أمن الإمداد وتوسيع المزيج المتجدّد وتسارع الرقمنة، على قاعدةٍ بياناتية متوافقة مع رمز القياس ورمز الشبكة. وتشمل خريطة الطريق التنفيذية برامجَ التنبؤ متعدّد الآفاق للحمل والمصادر المتجدّدة، والتقدير الفوري المرتبط بالتخزين وإدارة الأحمال، والصيانة التنبؤية للأصول، والتوأم الرقمي لمراكز التحكّم، مع تحديث الأطر التنظيمية للأمن السيبراني وتبادل البيانات. بهذه المقاربة المحايدة تقنيًا تتحقّق مكاسب قابلة للقياس: فاقد أقلّ، وإدارةٌ للذُّروات، وتحسّنُ جودة القدرة، وانخفاضٌ في الانبعاثات، وارتفاعٌ في موثوقية النظام. إنّ هذا المسار العملي الذي تنهجه المملكة يضعها في موقع الريادة لتحديث المنظومات الكهربائية بالذكاء الاصطناعي، ويعزّز موثوقيتها واستدامتها اتساقًا مع مستهدفات التحوّل الاقتصادي الوطني، وذلك من دون انحيازٍ لمصدرٍ بعينه، بل وفق معيار الجدوى الفنية والاقتصادية والبيئية.
المراجع:
- الوكالة الدولية للطاقة. (2024). آفاق الطاقة العالمية 2024. باريس: الوكالة الدولية للطاقة.
https://www.iea.org/reports/world-energy-outlook-2024 - وزارة الطاقة الأمريكية. (2022، أكتوبر). اعتبارات الأمن السيبراني للموارد الموزّعة على الشبكة الكهربائية. واشنطن: وزارة الطاقة الأمريكية.
https://www.energy.gov/sites/default/files/2022-10/Cybersecurity%20Considerations%20for%20Distributed%20Energy%20Resources%20on%20the%20U.S.%20Electric%20Grid.pdf - المختبر الوطني للطاقة المتجدّدة. (2025، 12 مارس).الأنظمة الطاقية الذاتية: الحوكمة والتحسين والتحكّم. غولدن–كولورادو: المختبر الوطني للطاقة المتجدّدة.
https://www.nrel.gov/grid/autonomous-energy - المختبر الوطني للطاقة المتجدّدة. (2025، 12 مارس). أنظمة إدارة التوزيع المتقدّمة : التشغيل والتحكّم على مستوى التوزيع. غولدن–كولورادو: المختبر الوطني للطاقة المتجدّدة.
https://www.nrel.gov/grid/advanced-distribution-management - المنتدى الاقتصادي العالمي. (2025، 18 يونيو).تعزيز الانتقال الفعّال للطاقة 2025. جنيف: المنتدى الاقتصادي العالمي.
https://www.weforum.org/publications/fostering-effective-energy-transition-2025/ - موارد للمستقبل. (2025، 7 أبريل).التوقعات العالمية للطاقة 2025: رياح مواتية ومعاكسة في انتقال الطاقة. واشنطن: مؤسسة موارد للمستقبل.
https://www.rff.org/publications/reports/global-energy-outlook-2025/ - جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية (كاوست) & شركة إينوا (نيوم). (2024، 25 ديسمبر).برنامج «إنرجي كورتيكس»: التنبؤ والتحكّم والشبكات الذكية في نيوم (خبر مؤسسي). ثول: كاوست. https://www.kaust.edu.sa/ar/news/enowa-and-kaust-celebrate-energy-cortex-program
- الشركة السعودية للكهرباء. (2024، نوفمبر). تقرير الصكوك الخضراء 2024 الرياض: الشركة السعودية للكهرباء.

