-

تطور بطاريات السيارات: من تشغيل المحرك إلى تغذية الأنظمة الذكية

تُعد بطاريات حمض الرصاص (Lead-Acid) أقدم وأكثر أنواع البطاريات استخدامًا في سيارات محركات الاحتراق الداخلي. وتتكوّن من خلايا تحتوي على ألواح من الرصاص وأكسيد الرصاص مغمورة في محلول من حمض الكبريتيك، وينتج عن تفاعلها الكيميائي جهد مقداره 12 فولت. وتمتاز هذه البطاريات بقدرتها العالية على توفير تيار بدء قوي، وسهولة صيانتها، وانخفاض تكلفتها، مما جعلها الخيار الأمثل في السيارات لعقود طويلة.

منذ ظهور السيارات، كانت وظيفة بطارية السيارة بسيطة: تشغيل المحرك وتغذية بعض الدوائر الكهربائية الأساسية مثل الإضاءة والراديو. لكن في السيارات الحديثة تغيّر الوضع تمامًا، إذ أصبحت البطارية مسؤولة عن تشغيل أنظمة إلكترونية معقدة تشمل الحساسات والرادارات والشاشات ووحدات التحكم الذكية. هذا التحول فرض على الشركات تطوير بطاريات أكثر كفاءة واستقرارًا، قادرة على تحمّل الأحمال المستمرة والتقنيات الحديثة.

البطاريات في السيارات القديمة (قبل عام 2000)

كانت السيارات في تلك الفترة تعتمد على بطاريات حمض الرصاص التقليدية، والتي كان دورها ينحصر في:

  • تشغيل المحرك.
  • تشغيل الإضاءة والراديو والمكيف الميكانيكي.
  • دعم بعض الأنظمة البسيطة مثل مساحات الزجاج وإشارات الانعطاف.

الخصائص الفنية لتلك البطاريات:

  • تيار تشغيل مرتفع.
  • دورة شحن وتفريغ قصيرة جدًا، حيث تُعاد شحنها مباشرة بعد التشغيل.
  • لم تكن مصممة لتغذية أحمال ثابتة أو إلكترونيات دقيقة.

وبمجرد تشغيل المحرك، يتولى المولّد الكهربائي أو مايعرف بـ الدينمو (Alternator) تغذية أنظمة السيارة بالكامل، وتبقى البطارية في وضع الشحن فقط.

ما الذي تغيّر في السيارات الحديثة؟

منذ عام 2010 وما بعدها، دخلت السيارات في عصر الأنظمة المدمجة والإلكترونيات الذكية، حيث أصبحت تحتوي على:

  • شاشات رقمية ونظام ترفيهي متكامل (Infotainment).
  • كاميرات وحساسات متعددة الاتجاهات.
  • أنظمة رادار للحفاظ على المسار والمسافة (ADAS).
  • أنظمة التشغيل والإيقاف التلقائي للمحرك “Start-Stop” لتقليل استهلاك الوقود.
  • وحدات تحكم إلكترونية متعددة وأنظمة ملاحة واتصال متقدمة.

كل هذه الأنظمة تحتاج إلى طاقة مستقرة ومتواصلة حتى عند توقف المحرك، وهو ما لم تكن البطاريات القديمة قادرة على توفيره.

تطور بطاريات حمض الرصاص لمواكبة التقنيات الحديثة

تقنية الألياف الزجاجية الممتصّة (AGM – Absorbent Glass Mat)

ظهرت هذه التقنية لتوفير أداء أعلى من البطاريات التقليدية، وتمتاز بأنها:

  • تعتمد على ألياف زجاجية تمتص الحمض وتمنع تسربه.
  • قادرة على تحمل الاهتزازات وتفريغ الشحن بشكل متكرر.
  • مناسبة للسيارات المزودة بأنظمة التشغيل والإيقاف التلقائي.

تقنية المحلول المحسّنة (EFB – Enhanced Flooded Battery)

طُوّرت لتكون حلًا وسطيًا بين البطاريات التقليدية وتقنية الألياف الزجاجية، وتمتاز بأنها:

  • تتحمل عمليات الشحن والتفريغ المتكرر.
  • تُستخدم في السيارات التي تحتوي على أنظمة ذكية محدودة.

أنظمة مراقبة البطارية الذكية (BMS – Battery Management System)

  • تراقب الجهد والتيار ودرجة الحرارة لحماية البطارية من التلف.
  • تضمن تغذية مستقرة لجميع الأنظمة الإلكترونية.
  • تتواصل مع وحدة التحكم الرئيسية لتوزيع الطاقة حسب الأولوية.

التحديات التي فرضتها الأنظمة الحديثة

  1. ارتفاع عدد وحدات التحكم الإلكترونية:
    في السيارات القديمة كان العدد أقل من 10 وحدات، بينما يتجاوز في السيارات الحديثة 100 وحدة تتحكم في مختلف الأنظمة.

  2. التيار المستمر أثناء الإيقاف:
    الأنظمة الحديثة مثل الأقفال الذكية والحساسات وأنظمة التتبع تبقى فعّالة حتى عند إيقاف المحرك، مما يزيد الحمل على البطارية.

  3. التحكم في الجهد:
    البطاريات الحديثة تحتاج إلى منظمات شحن ذكية تتواصل مع نظام إدارة البطارية لضبط عملية الشحن بدقة.

  4. البيئة الحرارية:
    ازدادت درجات الحرارة داخل حجرة المحرك نتيجة تزايد عدد المكونات الإلكترونية وكثافتها بالقرب من المحرك، مما استدعى تحسين مقاومة البطاريات للحرارة والرطوبة والاهتزاز.

 كيف تدعم البطارية الأنظمة الحديثة اليوم؟

  • توفير طاقة مستقرة بدقة عالية لضمان الأداء السلس للأنظمة الإلكترونية.
  • بقاء بعض الأنظمة نشطة حتى بعد إيقاف السيارة لتحديث البيانات أو المراقبة.
  • ضمان تغذية سريعة ومستقرة للأنظمة الحساسة مثل نظام الحفاظ على المسار ومنع التصادم.

كل هذه التطورات جعلت البطارية تتحول من عنصر تشغيل إلى نظام طاقة ذكي داخل السيارة.

الخلاصة

تطور بطارية السيارة لم يعد مجرد تحسين في السعة، بل هو ثورة في الوظيفة. فمن بطارية كانت تُستخدم لتدوير المحرك فقط، أصبحت اليوم تتحكم في أنظمة الرؤية والذكاء والاتصال داخل المركبة.
هذا التطور الهندسي في بطاريات حمض الرصاص مكّن السيارات الحديثة من استيعاب الكمّ الهائل من الإلكترونيات دون المساس بالاعتمادية أو الأمان. وبينما تتجه الصناعة نحو بطاريات الليثيوم أيون، تظل بطاريات الرصاص المطوّرة ركيزة موثوقة في سيارات الاحتراق الداخلي، لما تمتاز به من تحمّل للحرارة العالية واستقرار تشغيلي في البيئات القاسية.

مشاركة المقالة على :
فيسبوك
منصة 𝕏
لينكدن
واتساب
البريد الاكتروني