في كل عصر من عصور البشرية كانت هناك ثروة تحدد موازين القوة بين الأمم، ففي القرون الماضية كانت الأرض الزراعية عنوان النفوذ، ثم أصبح الفحم مصدر الثورة الصناعية، وأعقبه النفط الذي أعاد تشكيل الاقتصاد والسياسة طوال القرن العشرين، بينما اليوم فقد دخل العالم مرحلة جديدة أصبحت فيها البيانات المورد الأكثر تأثيرًا في الاقتصاد والعلم والأمن القومي.
غير أن وصف البيانات بأنها “النفط الجديد” لم يعد كافيًا لفهم طبيعتها الحقيقية. فالنفط يُستهلك ليولد الطاقة، أما البيانات فتُستثمر لتوليد المعرفة، ومن هذه المعرفة تُبنى نماذج الذكاء الاصطناعي التي بدأت تتخذ قرارات الاقتصاد والطب والتعليم والنقل والإعلام بل وحتى الأمن والدفاع.
ومن هنا تبرز أسئلة قد تبدو بسيطة ولكنها تحمل أبعادًا استراتيجية عميقة:
ماذا لو فُقدت البيانات؟ وماذا لو تعرضت للتلاعب؟ بل ماذا لو أصبحت محتكرة من قبل عدد محدود من المؤسسات أو الدول؟ وهل يكفي أن نحمي البيانات وحدها، أم أن هناك مستوى آخر ينبغي التفكير فيه؟

الشكل 1. فقدان البيانات والمعرفة الرقمية في الذكاء الإصطناعي
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تقودنا إلى حقيقة لم تحظ بالإهتمام الكافي، وهي أن الذكاء الاصطناعي لا يعتمد فقط على الخوارزميات وإنما يقوم على منظومة متكاملة تبدأ بالبيانات وتنتهي بما يمكن أن نسميه المعرفة الرقمية.
ومن هنا يقترح المقال إطارًا فكريًا جديدًا يمكن أن يُسهم في إعادة صياغة النقاش حول أمن الذكاء الاصطناعي، يقوم على ثلاث طبقات مترابطة: أمن البنية التحتية، وأمن البيانات، وأمن المعرفة.
في إعتقاد الكثيرين أن الذكاء الاصطناعي يشبه مكتبة ضخمة تحفظ المعلومات على أن يتم إسترجاعها عند الحاجة، ولكن الواقع مختلف تماما عن ذلك الإعتقاد، فالبيانات لا تبقى داخل النموذج كما هي بل تمر بعدة مراحل، فعلى سبيل المثال لا الحصر جمع البيانات الخام في مرحلتها الأولية لتتم معالجتها ثم تدريبها لتتعلم الأنماط وتبني النموذج الذكي والذي بدوره يؤدي إلى المعرفة الرقمية ، وهنا تكمن النقطة الجوهرية.
كما أن مزودات خدمات الذكاء الإصطناعي داخل غرف البيانات أصبحت ضرورة للقيام بالمهام التي تعجز عنها مزودات الخدمة الطبيعية ، والمقصود هنا (AI Servers) ودورها في ثورة العالم التكنولوجي ، فالذكاء الاصطناعي وأجهزته لا يحفظ البيانات كما يحفظ الإنسان الكتب في مكتبته، وإنما يحول ملايين الأمثلة إلى أنماط رياضية موزعة داخل مليارات المعاملات الرياضية للنموذج.

الشكل 2. نموذج لعمل خادم الذكاء الإصطناعي
فأصبح من الجدير بالتنويه إن المعرفة ليست نسخة من البيانات، وإنما خلاصة إحصائية يتم إستخراجها من النموذج ، ولهذا فإن البيانات تمثل المادة الخام، بينما تمثل أوزان النموذج الذاكرة التي تشكلت نتيجة التعلم.
فكلما إزداد إعتماد العالم على الذكاء الاصطناعي إزداد الإعتقاد أن هذه الأنظمة تمتلك قدرة ذاتية على التفكير والإستمرار ولكن الحقيقة مختلفة، فالذكاء الاصطناعي أكثر هشاشة مما يبدو، فهو يعتمد على سلسلة مترابطة من العناصر مثل الطاقة الكهربائية ومراكز البيانات والشبكات والبرمجيات والنماذج، وأي إنقطاع في عنصر من هذه العناصر قد يؤدي إلى توقف المنظومة كاملة.
ولهذا فإن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد برنامج، بل هو بنية حضارية تعتمد على إستقرار بنية تحتية رقمية ومعرفية معقدة، فقد يظن البعض أن أكبر تهديد هو ضياع البيانات، ولكن الأخطر هو تحريفها، فالبيانات المزيفة أخطر من البيانات المفقودة وإذا ضاعت البيانات يمكن إعادة جمعها في بعض الحالات أما إذا جرى تعديلها بطريقة لا تُكتشف فإن النموذج سيتعلم أخطاءً يظنها حقائق، وهنا يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أداة لإنتاج معلومات مضللة بثقة عالية مما يؤدي إلى ظهور مفهوم تسميم البيانات (Data Poisoning) ، حيث يؤدي إدخال بيانات مضللة أثناء التدريب إلى تغيير سلوك النموذج وقراراته، ولا تقتصر خطورة ذلك على التطبيقات التقنية بل تمتد إلى المجالات الطبية والمالية والأمنية حيث قد يقود انحراف بسيط في البيانات إلى قرارات واسعة الأثر.
فأمن الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يُختزل في حماية الخوادم أو البيانات فقط، بل يجب النظر إليه من خلال ثلاث طبقات مترابطة، فأمن البنية التحتية يشمل مراكز البيانات والطاقة والشبكات والنسخ الإحتياطي، وأمن البيانات يركز على سلامة البيانات وجودتها مع تتبع المصادر الموثوقة وحماية الخصوصية بالإضافة إلى مقاومة تسميم البيانات، فأهمية البيانات تنبع من كونها المادة الخام التي يتشكل منها النموذج، أما أمن المعرفة والتي تمثل تحول البيانات إلى نموذج مدرب لتنشأ طبقة حديثة لا تمثل البيانات نفسها بل تمثل المعرفة المستخلصة منها، هذه المعرفة قد تكون أغلى من البيانات الأصلية؛ لأنها تجسد سنوات من الاستثمار في جمع البيانات ومعالجتها وتدريب النماذج والتحقق من نتائجها، ومن ثم فإن حمايتها تصبح ضرورة استراتيجية سواء من الضياع أو السرقة أو الإحتكار أو التحريف.
فالتطور المتسارع للذكاء الاصطناعي يستوجب الانتقال إلى مستوى أمن المعرفة، والمعرفة هنا ليست وثائق أو كتبًا وإنما نماذج مدربة وخبرات رقمية وأنماطًا تعلمتها الأنظمة الذكية عبر سنوات من العمل، وفقدان هذه المعرفة أكثر كلفة من فقدان البيانات الخام، لأن إعادة إنتاجها قد تتطلب موارد وزمنًا وجهدًا هائلًا.
ففي العقود الماضية كان الأمن يعني حماية الحدود فقط، ثم شمل حماية البنية التحتية الحيوية، واليوم يغطي حماية الفضاء السيبراني، أما في المستقبل القريب سيتسع المفهوم ليشمل حماية المعرفة الرقمية نفسها بوصفها أحد أهم الأصول الاستراتيجية للدول والمؤسسات.
والسؤال الاستراتيجي هنا:
هل نحمي البيانات لأنها بيانات، أم لأنها تمثل الذاكرة التي تُبنى عليها معرفة المستقبل؟
د. عماد السيد
جامعة بهانج ماليزيا

