المقال الرابع

تحرير قطاع الكهرباء: البنك الدولي، الأب الروحي لتحرير قطاع الكهرباء

في المقال السابق (رقم 3)، تحدثنا عن كيفية تحرير قطاع الكهرباء من خلال خطوات الإصلاح المعروفة بالنموذج القياسي. ورأينا أيضًا أن الدافع وراء إجراء الإصلاحات قد يكون أجندة سياسية وتحت ستار الكفاءة الاقتصادية (انظر الى المقال رقم 2). إن وجود حكومة ذات أيديولوجية ليبرالية يسهل تبني النموذج القياسي، ولكن لم يكن هذا هو الحال في جميع البلدان، وخاصة البلدان النامية في أفريقيا. في البداية، لم تبدأ سوى عدد من الدول الأنجلوساكسونية (ذات النموذج الأنجلوساكسوني للرأسمالية والليبرالية والتوجه نحو السوق الحرة) وتشيلي الإصلاحات في قطاع الكهرباء الذي كان عادةً في ظل إصلاحات اقتصادية واسعة النطاق. ولكن بعد قصص نجاح الدول الرائدة مثل تشيلي والمملكة المتحدة، أصبح نموذج التحرير مقبولًا تدريجيًا وسائدًا في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. في هذه المرحلة، أقرّت المنظمتان الدوليتان العملاقتان، البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، رسميًا النموذجَ القياسي المُتّبع باعتباره التسلسلَ الإصلاحيَّ الصحيحَ لتحقيق الأداء الاقتصادي المنشود في قطاع الكهرباء.

هيمن النموذج النيوليبرالي الجديد على المشهد الاقتصادي السائد والتفكير التنموي في تسعينيات القرن الماضي. وتُوِّجت عمليةُ التحوّل إلى اقتصاد السوق عام ١٩٨٩ بما سُمّي “إجماع واشنطن”[1] . و”إجماع واشنطن” هو مجموعةٌ من عشر وصفاة للسياسات الاقتصادية، وُضِعَت كحزمة إصلاحاتٍ قياسيةٍ للدول النامية التي تُعاني من الأزمات. وقد اتفقت على هذه الحزم أكبرُ مؤسسات واشنطن العاصمة، البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ووزارة الخزانة الأمريكية، وكانت متوافقةً بطبيعة الحال مع تحرير القطاعات العام (وليس قطاع الكهرباء فقط) بمبادئ تحرر، والخصخصة، وفتح المجال للاستثمار الأجنبي المباشر، وضمان حقوق الملكية. بعد إجماع واشنطن، انطلقت الدفعة الحقيقية لتحرير قطاع الكهرباء عام ١٩٩٢ عندما غيّر البنك الدولي رسميًا سياسته الإقراضية، مركّزًا على شروط تتعلق بإصلاح قطاع الكهرباء، بما في ذلك المنافسة والخصخصة كعناصر أساسية في العملية. كما عُدّلت هذه السياسات، أو اتبعتها لاحقًا جهات مانحة أخرى، بما في ذلك صندوق النقد الدولي، ثم الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، وبنك التنمية الآسيوي، والبنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، وبنك التنمية للبلدان الأمريكية. كان البنك الدولي المحرك الرئيسي لهذا النوع من الإمبريالية التوسعية، ليس فقط لكونه رائدًا في تطبيق هذه الشروط، بل أيضًا بتخصيص موارده لتنمية هذا الفرع من الأدبيات العلمية ونشر المعايير الجديدة.

ونتيجةً لذلك، كان على الدول النامية أن تُجري إصلاحاتٍ قطاعيةً طوعًا أو كرهاً إذا رغبت في التقدم بطلبات قروض من هذه المؤسسات التمويلية[2] . وكانت الدول الأفريقية على وجه الخصوص أول من واجه هذا الضغط الخارجي لفرض تغييرات هيكلية على قطاع الكهرباء لديها. لذلك، بحلول عام 2009، عدّلت أكثر من 90 حكومة قانون الكهرباء الخاص بها كعلامة على تدشين الإصلاحات والبدء في تبني النموذج القياسي. ومع ذلك، كانت هذه مجرد خطوات مرتجلة للحصول على موافقة على القروض ولم تتابع البلدان تطبيق حزمة الإصلاحات كلها. يمكن تفسير هذا التردد على أنه ناتج من شك طبيعي للدول المعنية فيما يتعلق بالمبدأ الليبرالي الفريد الذي بشر به موظفو البنك الدولي في ذلك الوقت متجاهلين في بعض الأحيان الظروف الخاصة بتلك البلدان. لذلك، كانت الجهود غير متكافئة في تطبيق سياسات التحرير، وكانت أمريكا اللاتينية المنطقة الأكثر ديناميكية في تفعيل الإصلاحات و تطبيق سياساتها، حيث أكملت معظم الدول هناك ما يقرب من أربع خطوات إصلاحية. وعلى العكس من ذلك، تقدمت منطقة أفريقيا جنوب الصحراء والشرق الأوسط وشمال أفريقيا بشكل ضعيف في عملية الإصلاح، بخطوة واحدة فقط في المتوسط. كانت عمليات الخصخصة أكثر شيوعًا في أمريكا اللاتينية بينما هيمن إدخال مشاريع إنتاج الطاقة المستقلة على جهود الإصلاح في دول شرق وجنوب شرق آسيا، ومؤخرًا في أفريقيا أيضًا. في جميع الأحوال، كان دور مؤسسات التمويل الدولية، وخاصة البنك الدولي، حاسمًا في نشر النموذج النموذجي لإصلاح قطاع الكهرباء.

إذاُ، كيف يعمل السوق الكهرباء المحررة بالكامل؟ وكيف تعمل الأسواق غير المحررة بالكامل في أمريكا اللاتينية وأفريقيا؟ المزيد حول ذلك في المنشور التالي إن شاء الله.

 

المراجع:

[1] Imam, M., Jamasb, T., and Llorca, M. (2019). Political Economy of Reform and Regulation in the Electricity Sector of Sub-Saharan Africa. Cambridge Working Papers in Economics 1949, Faculty of Economics, University of Cambridge.

[2] Erdogdu, E. (2013). Essays on electricity market reforms: A cross-country applied approach. PhD thesis, University of Cambridge.

مشاركة المقالة على :
فيسبوك
منصة 𝕏
لينكدن
واتساب
البريد الاكتروني