في ظل التحديات البيئية المتزايدة وتسارع ظاهرة التغير المناخي، أصبح التحول نحو أنظمة طاقة منخفضة الكربون محورًا رئيسيًا للبحث العلمي والتطوير التقني. ومن بين التقنيات الكهروكيميائية التي حظيت باهتمام واسع في السنوات الأخيرة، تبرز تقنيات الأغشية البروتونية (Proton Exchange Membrane – PEM) كإحدى الركائز الأساسية في أنظمة تحويل الطاقة الحديثة، نظرًا لما تتميز به من كفاءة عالية ومرونة تشغيلية وقدرة على العمل تحت ظروف ديناميكية متغيرة.[1] تتميز أنظمة PEM بنطاق تطبيقي واسع يتجاوز الاستخدام التقليدي، حيث يمكن توظيفها في عدة عمليات تحويل كهروكيميائية: [2-4]
- اختزال ثاني أكسيد الكربون (CO₂ Reduction) لإنتاج مركبات مثل أول أكسيد الكربون (CO)، والميثانول (CH₃OH)، والإيثيلين (C₂H₄)، والتي تُعد مواد أولية مهمة في الصناعات الكيميائية.
- تحويل ثاني أكسيد الكربون والماء إلى وقود اصطناعي (Power-to-X)، مما يساهم في إغلاق دورة الكربون.
- إنتاج غاز التخليق (Syngas) لاستخدامه في عمليات فيشر-تروبش لإنتاج الوقود السائل.
هذه التطبيقات تعكس الإمكانات الواسعة لتقنيات الأغشية البروتونية في دعم استراتيجيات إزالة الكربون الشاملة، وليس فقط في إنتاج الهيدروجين. ومع ذلك، يركز هذا المقال بشكل خاص على تطبيقات إنتاج الهيدروجين الأخضر باستخدام هذه التقنيات. ذكرنا سابقا في المقالات الأخرى: أن التحليل الكهربائي للماء باستخدام محللات الغشاء البروتوني (PEMWE) هو أحد أهم المسارات لإنتاج الهيدروجين الأخضر. ورغم مزايا أنظمة PEMWE، إلا أنها لا تزال أقل نضجًا صناعيًا مقارنة بالتقنيات الاخرى، كما أن تشغيلها تحت ظروف متغيرة (مثل الطاقة المتجددة) يسبب تدهورًا في المكونات ويؤثر على الكفاءة والعمر التشغيلي. وبسبب محدودية دقة النماذج الحالية واعتمادها على بيانات محدودة، تظهر الحاجة إلى تطوير أدوات نمذجة دقيقة وشاملة لفهم سلوك هذه الأنظمة وتحسين أدائها وموثوقيتها.
-
أهمية النمذجة في أنظمة PEM؟ لماذا نحتاجه؟
يمكن تبسيط فهم عمل هذه الأنظمة من خلال طرح السؤال التالي: هل تتحول كل الطاقة الكهربائية المُدخلة إلى المحلل الكهربائي إلى هيدروجين؟ الإجابة: بالطبع لا. فقط جزء من الطاقة يُستخدم فعليًا في إنتاج الهيدروجين، بينما يُفقد الجزء الآخر داخل النظام نتيجة لعدة عوامل فيزيائية وكهروكيميائية. ومن هنا تبرز أهمية النمذجة، إذ تُمكّننا من تحليل توزيع الطاقة داخل النظام، وفهم مصادر الفواقد
-
كيف نحول هذا النظام إلى نموذج كهربائي؟
بدلاً من التعامل مع النظام كعملية كيميائية معقدة، يقوم المهندسون بتبسيطه إلى دائرة كهربائية مكافئة،[5] بحيث يُمثل كل جزء من الجهد عنصرًا كهربائيًا يعكس ظاهرة فيزيائية داخل المحلل. ومن خلال هذا التمثيل، يمكن تحليل أداء النظام بطريقة أكثر وضوحًا وتنظيمًا. ولتسهيل فهم هذه العلاقات، يمكن تلخيص أهم المعادلات المستخدمة في النمذجة الكهربائية لمحلل PEM كما يلي:
جدول 1. لتمثيل الرياضي والكهربائي لمكونات الجهد في محلل PEM.

يوضح هذا التمثيل أن جزءًا من الطاقة الكهربائية يُستخدم فعليًا لإنتاج الهيدروجين، بينما يُفقد الجزء المتبقي نتيجة الفواقد الداخلية. وتعتمد دقة النموذج بشكل مباشر على مدى قدرته على تمثيل هذه الفواقد بدقة. لذا، تُعد النمذجة الكهربائية أداة أساسية لفهم توزيع الطاقة وتحسين كفاءة وأداء أنظمة الهيدروجين الأخضر. ولا تقتصر أهمية هذه النماذج على توصيف الأداء اللحظي، بل تمتد لتشمل تحليل السلوك الديناميكي للمحلل، ودراسة تأثير المتغيرات التشغيلية، وتقييم الأداء تحت ظروف واقعية. ومع ذلك، لا تزال النماذج الحالية تعاني من محدودية في تمثيل بعض الظواهر المهمة، مثل التدهور طويل المدى والتفاعل بين الخلايا على مستوى المكدسات، مما يحد من دقتها في التطبيقات العملية. وعليه، فإن تطوير نماذج كهربائية أكثر دقة وموثوقية يُعد خطوة أساسية ليس فقط لتحسين الكفاءة، بل أيضًا لتعزيز القدرة على التنبؤ بالأداء ودعم التشغيل الأمثل، وهو ما يمهّد للانتقال إلى دراسة وتصنيف أنواع النماذج المختلفة وتحليلها بشكل أكثر تفصيلًا.
-
تصنيف نماذج محللات PEM
تختلف هذه النماذج من حيث منهجية البناء (Modeling Approach) والدقة وسهولة التطبيق. بشكل عام، يمكن تصنيف نماذج محللات PEM إلى ثلاث فئات رئيسية.
أولًا: النماذج الفيزيائية (Physical Models)
تعتمد هذه النماذج على القوانين الأساسية للديناميكا الحرارية (Thermodynamics) والكهروكيمياء (Electrochemistry) لوصف التفاعلات داخل الخلية بشكل مباشر. وتمتاز بدقتها العالية وقدرتها على تقديم تفسير فيزيائي واضح، إلا أنها غالبًا ما تكون معقدة وتتطلب قدرة حسابية كبيرة، مما يحد من استخدامها في التطبيقات العملية.
ثانيًا: النماذج التجريبية (Empirical Models)
تعتمد على بيانات مستخلصة من التجارب، مثل منحنيات الاستقطاب (Polarization Curves). وتتميز ببساطتها وسرعة تنفيذها، لكنها تعاني من ضعف القدرة على التعميم (Generalization)، حيث تنخفض دقتها عند تغير ظروف التشغيل.
ثالثًا: النماذج الكهربائية المكافئة (Equivalent Electrical Circuit Models – EEC Models)
يتم في هذا النوع تمثيل النظام باستخدام عناصر كهربائية مثل المقاومات (Resistors)، والمكثفات (Capacitors)، ومصادر الجهد (Voltage Sources)، بحيث يعكس كل عنصر ظاهرة فيزيائية داخل المحلل. وتتميز هذه النماذج بسهولة التحليل، وسرعة المحاكاة، وإمكانية دمجها مع أنظمة التحكم (Control Systems)، مما يجعلها الأكثر استخدامًا في التطبيقات الهندسية، خاصة في أنظمة الطاقة المتجددة.
من ناحية أخرى، يمكن تصنيف النماذج وفق معايير إضافية:
حسب مستوى التمثيل (Modeling Scale):
- نماذج على مستوى الخلية (Cell-level Models) تُستخدم لفهم السلوك الأساسي.
- نماذج على مستوى المكدس (Stack-level Models) تمثل مجموعة من الخلايا، وهي أكثر واقعية لكنها أكثر تعقيدًا بسبب التفاعلات بين الوحدات.
حسب السلوك الزمني (Temporal Behavior):
- النماذج الساكنة: (Static Models) تفترض حالة مستقرة للنظام.
- النماذج الديناميكية: (Dynamic Models) تأخذ في الاعتبار التغيرات الزمنية، مثل استجابة النظام للتغيرات المفاجئة في التيار أو الجهد، وهي ضرورية في تطبيقات الطاقة المتجددة.
-
تحديات نماذج محللات PEM
على الرغم من التقدم الملحوظ في نمذجة محللات الغشاء البروتوني (PEM)، لا تزال هذه الأنظمة تواجه تحديات تقنية متعددة تؤثر بشكل مباشر على دقة النماذج، وكفاءة التشغيل، وموثوقية الأداء. وتعود هذه التحديات إلى الطبيعة المعقدة للتفاعلات الكهروكيميائية، إضافة إلى متطلبات التكامل مع مصادر الطاقة المتجددة والأنظمة الكهربائية الحديثة.
يُعد تقلب مصادر الطاقة المتجددة (Renewable Energy Sources – RESs) من أبرز هذه التحديات، إذ يؤدي عدم استقرار القدرة المدخلة إلى تغيرات مستمرة في الجهد والتيار، مما يفرض تشغيلًا ديناميكيًا على المحلل. وينتج عن ذلك إجهاد حراري وكهروكيميائي على مكونات النظام، وتسارع في ظواهر التدهور (Degradation)، وهو ما ينعكس سلبًا على الكفاءة والعمر التشغيلي. لذلك، تبرز الحاجة إلى استخدام نماذج ديناميكية قادرة على تمثيل هذه التغيرات الزمنية بدقة، بدلًا من الاكتفاء بالنماذج الساكنة.
من جهة أخرى، تمثل طريقة توصيل الخلايا داخل المكدس (Stack Configuration) تحديًا أساسيًا في توصيف السلوك الكهربائي للنظام. وكما هو موضح في الشكل (2-أ)، تختلف النماذج الكهربائية في تمثيل الفواقد، سواء باستخدام مقاومات مكافئة، أو دوائر (RC)، أو ممانعة واربورغ (Warburg Impedance)، مما يعكس تنوع الافتراضات المستخدمة في النمذجة. إلا أن هذه النماذج غالبًا ما تعتمد على تبسيطات، في حين أن الواقع يتضمن ظواهر أكثر تعقيدًا مثل عدم تجانس الخلايا، وعدم توازن توزيع التيار، ووجود تيارات دائرية، إضافة إلى التدرجات الحرارية داخل النظام.
وتزداد هذه التعقيدات عند الانتقال من مستوى الخلية إلى مستوى المكدس، كما في الشكل (2-ب)، حيث تتأثر خصائص النظام بطريقة التوصيل (توالي، توازي، أو ثنائي القطب). وفي التطبيقات العملية، لا يكفي تمثيل النظام بجمع الجهود أو التيارات، بل يجب أخذ التفاعلات المتبادلة بين الخلايا في الحسبان، مما يستلزم تطوير نماذج أكثر تقدمًا على مستوى النظام (System-level Models).
كما تُعد قابلية التوسع (Scalability) من التحديات المهمة، إذ يؤدي الانتقال إلى أنظمة كبيرة إلى صعوبة تحقيق توزيع متوازن للقدرة، وزيادة تعقيد أنظمة التحكم، خاصة عند التكامل مع محولات القدرة. ويزداد الأمر تعقيدًا عند التشغيل تحت ضغط عالٍ، حيث تبرز مشكلات إضافية مثل زيادة نفاذية الغازات، واحتمالية اختلاط الهيدروجين والأكسجين، إلى جانب ارتفاع الفواقد الأومية، مما يؤثر على كفاءة النظام وسلامته.
أما من ناحية النمذجة، فلا تزال دقة النماذج الكهربائية محدودة بسبب اعتمادها على معاملات مستخرجة من بيانات تجريبية (Curve Fitting)، مما يقلل من قدرتها على التعميم عند تغير ظروف التشغيل. إضافة إلى ذلك، فإن معظم النماذج الحالية لا تأخذ بشكل كافٍ في الاعتبار تأثيرات التدهور طويل المدى أو السلوك الحراري، مما يحد من قدرتها على التنبؤ بالأداء المستقبلي. وبناءً على ما سبق، فإن التحديات المرتبطة بتمثيل الفواقد، وتعقيد التوصيل الكهربائي، وقابلية التوسع، ودقة النماذج، تؤكد الحاجة إلى تطوير نماذج أكثر تقدمًا وقابلة للتكيف، قادرة على تمثيل السلوك الواقعي للنظام تحت ظروف تشغيل مختلفة. ويُعد ذلك خطوة أساسية نحو تحسين كفاءة أنظمة إنتاج الهيدروجين الأخضر وتعزيز موثوقيتها في التطبيقات المستقبلية.

الشكل 2. مخطط يوضح (أ) مخططات الدوائر الكهربائية للنماذج الكهربائية المذكورة في أدبيات نمذجة المحلل الكهربائي PEM. (ب) طريقة التوصيل الكهربائي (توالي، توازي، وثنائي القطب).
ختامًا، تُعد نماذج محللات الغشاء البروتوني (PEM) حجر الأساس في تقييم وتطوير أنظمة التحول الطاقي المستدام، حيث تتيح توفير بيانات نظرية دقيقة تدعم التطبيق العملي وتُسهم في تقليل الفجوة بين النماذج النظرية والواقع الصناعي. كما تلعب هذه النماذج دورًا محوريًا في تحليل الأداء والتنبؤ بالسلوك المستقبلي للنظام تحت ظروف تشغيل مختلفة، فضلًا عن تمكين الأتمتة وتوفير بيانات تشغيلية تساعد في تحديد الاحتياجات الفعلية للمحللات وتحسين استراتيجيات التشغيل. وإضافةً إلى ذلك، تفتح هذه النماذج آفاقًا واسعة لتطوير أدوات التنبؤ بالأعطال وتعزيز موثوقية الأنظمة، مما يسهم في تقديم حلول أكثر قابلية للتطبيق الصناعي، وتحقيق كفاءة أعلى واستدامة أكبر في إنتاج الهيدروجين الأخضر.
المراجع:
[1] E. Taibi, R. Miranda, W. Vanhoudt, T. Winkel, J.-C. Lanoix, and F. Barth, “Hydrogen from renewable power: Technology outlook for the energy transition,” 2018.
[2] H. Kojima, K. Nagasawa, N. Todoroki, Y. Ito, T. Matsui, and R. Nakajima, “Influence of renewable energy power fluctuations on water electrolysis for green hydrogen production,” international journal of hydrogen energy, vol. 48, pp. 4572-4593, 2023.
[3] D. A. Notter, K. Kouravelou, T. Karachalios, M. K. Daletou, and N. T. Haberland, “Life cycle assessment of PEM FC applications: electric mobility and μ-CHP,” Energy & Environmental Science, vol. 8, pp. 1969-1985, 2015.
[4] I. E. Agency, The role of CCUS in low-carbon power systems: OECD Publishing, 2020.
[5] M. K. Ratib, K. M. Muttaqi, M. R. Islam, D. Sutanto, and A. P. Agalgaonkar, “Electrical circuit modeling of proton exchange membrane electrolyzer: The state-of-the-art, current challenges, and recommendations,” International journal of hydrogen energy, vol. 49, pp. 625-645, 2024.

