الغاز الطبيعي المزود بتقنية احتجاز الكربون وتخزينه: خيار للطاقة المستدامة في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي

يتعامل معظمنا مع الذكاء الاصطناعي بطرق لا تُحصى يوميًا. لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على العديد من التجارب الرقمية (من تحرير النصوص إلى التسوق الإلكتروني والألعاب)، بل يُعدّ أيضًا جزءًا أساسيًا من العديد من القطاعات، بما في ذلك الرعاية الصحية والنقل. ومع تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي، تتزايد الحاجة إلى الطاقة الكهربائية لتشغيل مراكز البيانات، حيث تستهلك هذه المرافق طاقة كهربائية هائلة. وفي هذا السياق، تشير أحدث التقديرات العالمية إلى أن دولة بحجم الولايات المتحدة الأمريكية قد تستهلك ما يصل إلى (9%) من إجمالي الطاقة المُولَّدة فيها بحلول عام 2030م. ويتطلب تلبية هذا الطلب توفير إمدادات وفيرة من الطاقة الموثوقة والمستقرة والمتاحة على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع.

وفي هذا الصدد، توصف مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي بأنها شرهة في استهلاك الطاقة الكهربائية، في ظل اهتمام متزايد من الدول بمراعاة اعتبارات تقليل الانبعاثات المسببة للاحتباس الحراري، الأمر الذي يشكل تحديًا حقيقيًا لشركات التقنية العالمية الكبرى. وفي هذا السياق، تتجه عمالقة الشركات التقنية مثل مايكروسوفت وغيرها إلى البحث عن حل عملي لمعضلة توفير الطاقة الكهربائية المستقرة بأقل انبعاثات ممكنة، ومن هذا المنطلق بدأت هذه الشركات في طرح وتبنّي فكرة الاعتماد على محطات توليد الطاقة الكهربائية من الغاز الطبيعي، والمزوَّدة بتقنية احتجاز وتخزين الكربون، كحل أمثل لمواكبة الطلب المتزايد على البيانات والمعلومات الرقمية التي توفرها تقنيات الذكاء الاصطناعي.

يشهد العالم تطورًا سريعًا ومذهلًا، فالثورة الرقمية المتقدمة، والروبوتات، وتعلُّم الآلة، ونماذج الذكاء الاصطناعي، ساهمت في خدمة البشرية من خلال توفير حلول تقنية متقدمة ومتطورة تلبي احتياجات الحياة الحديثة. وفي هذا السياق، تُعد ثورة الذكاء الاصطناعي ممكنًا لأعمال جميع القطاعات الاقتصادية، ومنها قطاع الطاقة، الذي يتفرد بكونه من القطاعات الممكنة لهذه التقنية، وفي الوقت نفسه من أكثر القطاعات استفادة من إمكاناتها في تشغيل الأنظمة الكهربائية وتحسين كفاءة إنتاج الطاقة واستهلاكها وتوزيعها. وتجدر الإشارة إلى أن التوسع في مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي لا يتطلب استثمارات اقتصادية في البنى التحتية فحسب، وإنما يحتاج أيضًا إلى توفير كميات هائلة من الطاقة الكهربائية لضمان التشغيل واستدامة العمليات على مدار الساعة دون انقطاع.

في ظل التوسع العالمي الراهن والمتوقع في استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعدين الرقمي، سيصاحب ذلك زيادة في عدد مراكز البيانات الضخمة، وتزداد معها أهمية توفير طاقة كهربائية موثوقة وذات انبعاثات منخفضة. ومن هذا المنطلق، يبرز دور الغاز الطبيعي المزوَّد بتقنية احتجاز الكربون وتخزينه، حيث تشير التقديرات إلى نمو سنوي بمعدل (15%) في الطلب على الطاقة لمراكز البيانات في الولايات المتحدة ما بين عامي 2023م و2030م.

كما تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يتضاعف استهلاك الكهرباء في مراكز البيانات بحلول عام 2026م، ليصل إلى ما بين (620) و(1,050) تيراواط/ساعة، وهو ما يعادل تقريبًا إجمالي استهلاك الكهرباء لدولة بحجم اليابان. وفي القارة الأوروبية، تشير تقديرات جولدمان ساكس إلى نمو الطلب على الطاقة بنسبة تتراوح بين (40–50%) خلال الفترة من 2023م إلى 2033م، مدفوعًا بتوسع مراكز البيانات. وفي بيانات أخرى توضّح حجم استهلاك الكهرباء للذكاء الاصطناعي، كُشف أن استعلامًا واحدًا عبر (ChatGPT) يستهلك نحو (2.9) واط/ساعة من الكهرباء، أي ما يقارب عشرة أضعاف الطاقة التي يستهلكها بحث تقليدي عبر محركات البحث المعروفة مثل جوجل، والذي يُقدَّر استهلاكه بنحو (0.3) واط/ساعة.

كما تُقدّر أبحاث شركة جولدمان ساكس أن الطلب على الطاقة في مراكز البيانات سينمو بنسبة (160%) بحلول عام 2030م. وحاليًا، تستهلك مراكز البيانات حول العالم ما بين (1–2%) من إجمالي الطاقة، ومن المرجح أن ترتفع هذه النسبة إلى ما بين (3–4%) بحلول نهاية العقد.

إن الانبعاثات الناجمة عن تشغيل مراكز البيانات يمكن التخفيف منها من خلال تقنيات إدارة الكربون، حيث تسهم مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي بنحو (1%) من إجمالي انبعاثات غازات الاحتباس الحراري عالميًا. وتُعد إدارة الانبعاثات الناتجة عن توليد الطاقة باستخدام الغاز الطبيعي ذات أهمية خاصة للشركات العملاقة التي تشغّل مراكز بيانات واسعة النطاق، وتعتمد على الحواسيب الفائقة لمعالجة البيانات الضخمة وتدريب النماذج، إضافة إلى متطلبات التبريد المستمرة.

وتلتزم هذه الشركات بتقارير الإفصاح البيئي، حيث أشارت شركة جوجل في أحد تقاريرها إلى احتمال عدم تمكنها من تحقيق أهداف خفض الانبعاثات بسبب متطلبات الذكاء الاصطناعي للطاقة الكهربائية. ففي عام 2023م، زادت انبعاثاتها بنسبة (13%) نتيجة ارتفاع استهلاك مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي للطاقة الكهربائية، إضافة إلى انبعاثات سلاسل التوريد.

ولتأمين طاقة كهربائية مستقرة ونظيفة، تتجه كبريات شركات الطاقة العالمية إلى الاستثمار في محطات الغاز الطبيعي لتأمين الإمدادات الكهربائية. ومؤخرًا أعلنت شركة إكسون موبيل عن نيتها إنشاء محطة غاز طبيعي بقدرة تقارب (1.5) جيجاواط، لتوفير ما سمته “بالطاقة الكهربائية عالية الموثوقية” لمراكز البيانات، مع تزويد المحطة بتقنية التقاط الكربون وتخزينه لإزالة الانبعاثات، حيث يُقدَّر احتجاز نحو (90%) من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري الصادرة عن تشغيل مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. كما أعلنت شركة شيفرون عن خطتها لتطوير محطات طاقة بقدرة إجمالية تبلغ (4) جيجاواط لخدمة عدد من مراكز البيانات في الولايات المتحدة.

كما أعلنت عدد من كبار شركات التكنولوجيا العالمية عن رغبتها في الاعتماد على الطاقة المولَّدة من محطات الغاز المزودة بتقنية احتجاز الكربون وتخزينه لتغذية مراكز البيانات الضخمة التابعة لها، مثل شركة جوجل التي أعلنت عن شراء معظم إنتاج محطة “برودينغ” العاملة بالغاز الطبيعي، وبقدرة إنتاجية تبلغ (400) ميجاواط، على أن يبدأ تشغيلها في عام 2030م.

ويُعد الغاز الطبيعي المزود بتقنية احتجاز الكربون وتخزينه حلًا مناسبًا للدول التي لا تتوافر لديها خيارات أخرى للطاقة منخفضة الانبعاثات، كما يُمثل حلًا مكمّلًا للطاقة الكهربائية المولَّدة من مصادر الطاقة المتجددة المتقطعة، حتى في الدول التي تمتلك إمكانات كبيرة في هذا المجال. كما يُعد توليد الطاقة الكهربائية بالغاز الطبيعي مع تقنية احتجاز الكربون وتخزينه تقنيةً مُمكِّنة تتيح نشرًا أسرع لطاقة الحمل الأساسي الموثوقة منخفضة الانبعاثات. وبالمقارنة مع توليد الطاقة بالغاز الطبيعي دون تطبيق هذه التقنية، يُحقق هذا النظام انخفاضًا في التأثيرات المناخية يصل إلى خمسة أضعاف، وانخفاضًا في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون المباشرة بنسبة تتراوح بين (90–95%).

سيشهد العالم تزايدًا مستمرًا في الطلب على الطاقة الكهربائية، مدفوعًا بالتوسع في إنشاء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي. وتقود الشركات العالمية الكبرى تبنّي مصادر طاقة توفر حلولًا طويلة المدى لضمان موثوقية الكهرباء واستدامتها. وفي هذا الإطار، يوفر الغاز الطبيعي إمدادات موثوقة من الطاقة الكهربائية، ومع تطبيق تقنيات احتجاز الكربون وتخزينه يُعد استراتيجية مهمة لإزالة انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، كما يؤدي دورًا مكملًا لإمدادات الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة وغيرها لتلبية الطلب المتزايد، بوصفه حلًا قابلًا للتطوير، وموثوقًا، ومنخفض الانبعاثات.

مشاركة المقالة على :
فيسبوك
منصة 𝕏
لينكدن
واتساب
البريد الاكتروني