Smart Energy Management (1/2)

الإدارة الذكية للطاقة (1/2)

الخلفية التاريخية : كيف كانت الشبكة الكهربائية تعمل سابقًا؟

قبل ظهور الشبكات الذكية، كانت شبكة الكهرباء تعمل بطريقة بسيطة جدًا مقارنة بما نعرفه اليوم. كانت تشبه خطًا مستقيمًا يسير في اتجاه واحد فقط:

 

محطة توليد   شبكة نقل  مستهلك
ولا شيء يعود للخلف، لا معلومات، ولا طاقة، ولا تفاعل.

في ذلك الزمن لم يكن المستهلك جزءًا من عملية التشغيل، بل مجرد طرف يستقبل الكهرباء دون أن يكون له أي دور.
وإذا ارتفع الطلب في أي منطقة، لم يكن أمام شركات الكهرباء إلا حل واحد: زيادة الإنتاج فورًا.

هذا الأسلوب كان يسبب عدة مشكلات:

كانت الشبكة تعمل… لكنها لم تكن “تفهم” ما يحدث داخلها، ولهذا كان العالم يحتاج إلى نقلة نوعية.

التحول نحو الشبكة الذكية

لم يعد قطاع الطاقة يدار بمفاهيم القرن الماضي، حيث كان التركيز منصبا على إنتاج أحادي واستهلاك سلبي. اليوم. نشهد تحولا إلى نوع جديد من الشبكات يسمى الشبكات الذكية. هذا التحول يجعل الشبكة الكهربائية قادرة على أخذ البيانات ويتفاعل معها في نفس اللحظة. الشبكات الذكية هي التطور الذي نحتاجه في العصر الحالي. حيث إن إدارة الكهرباء لم تعد فقط بعقلية المزيد من الإنتاج، بل استخدام البيانات والتحكم في الإنتاج على حسب البيانات. حيث يتم أتمتة هذه العملية بالكامل. حيث يتم جمع المعلومات من الحساسات في اللحظة، وإرسالها إلى مركز البيانات لكي يتم معالجتها وتغيير الإنتاج على حسب الحاجة. هذا التحول ليس مجرد ترقية, بل هو تحول في فلسفة إنتاج الكهرباء بالكامل. وهذا أتاح لنا استخدام المزيد من مصادر الطاقة، وتجنب أيا من سلبيات استخدامها.

ماهي الشبكات الذكية؟

الشبكة الذكية مشابهة للنسيج العصبي المتصل. فهي كما توصفها الوكالة الدولية للطاقة (IEA) كشبكة كهرباء تستخدم التكنولوجيا الحديثة وتكنولوجيا الاتصالات والتكنولوجيا المكتبية، من أجل موازنة العرض والطلب في اللحظة ومن أجل المحافظة على الاستقرار والموثوقية في الشبكة.

تتكون الشبكة الذكية من عدة أنظمة منها:

  • محطات التوليد المركزية والمتجددة
  • الألواح الشمسية على أسطح المنازل
  • عدادات ذكية عند كل مستهلك
  • مركز تحكم مركزي ذكي
  • نظام لنقل المعلومات بين النقاط الرئيسية

هذه الأنظمة تسمح لنا باستخدام الطاقة المنتجة من طرف المستهلك مما يعزز في المستهلكين استخدام الطاقات المتجددة، مثل الألواح الشمسية لإنتاج الكهرباء. ويكثر من الفئة المستهلكة المسماة (prosumer). وهو المستهلك الذي يبيع الفائض من إنتاجه.

ما المقصود بكلمة الذكاء في الشبكة الذكية؟

الذكاء هنا ليس المقصود به فقط اتصال الشبكة بالإنترنت. بل هو قدرة النظام على تحقيق النقاط الآتية:

  • التنبؤ بالطلب المستقبلي: حيث يتم تحليل البيانات الضخمة والأنماط السلوكية من قبل المستهلكين في الأوقات الماضية وتوقع أوقات الذروة لاستهلاك الكهرباء والاستعداد لها.
  • أتمتة المهام: استخدام العدادات الذكية يمكن الشبكة الذكية من تخفيف الحمل تلقائيا على الأجهزة الغير حرجة في أوقات الذروة بطريقة لن تؤثر على المستخدم.
  • المتانة والتقليل من الأعطال المستقبلية: حيث تستكشف المستشعرات الذكية حدوث أي خطأ في أي جزء من الشبكة، سواء كان من التمديدات أو المحولات، وترسل إشارة إلى مركز التحكم المركزي قبل حدوث أي تطور في المشكلة مما يقلل الزمن الكلي للعطل.
  • الكفاءة التشغيلية: باستخدام الأنظمة الذكية، يمكنك معرفة أين يستهلك الجزء الاكبر من الكهرباء. وتستطيع توجيه الطاقة عبر المسارات الأكثر كفاءة، مما يقلل من الإهدار ويزيد من عمر المعدات.

البرامج الذكية لإدارة الطاقة – قلب التطور الجديد

ظهور الشبكات الذكية لم يكن مجرد إضافة تقنية، بل اتى معه بمجموعة من البرامج المتطورة لتغيّر طريقة إدارة الطاقة بالكامل.
هذه البرامج صُممت لتجعل الشبكة:

وفيما يلي أهم هذه البرامج:

أولًا: برنامج (Net Metering) – البيع والشراء بين المنزل والشبكة

هذا البرنامج يُعد أحد أهم الابتكارات في إدارة الطاقة الحديثة.
فكرته بسيطة كالاتي:

إذا امتلك المنزل ألواحًا شمسية… يمكنه بيع فائض الكهرباء إلى الشبكة.

وهذا يحقق فوائد كبيرة:

  • المنزل ينتج طاقة لنفسه ولغيره.
  • لا حاجة إلى بطاريات كبيرة للتخزين.
  • يزيد الاعتماد على الطاقة المتجددة داخل المدن.

مثال عام:

منزل ينتج 5 كيلوواط فائض يوميًا يرسله للشبكة، مما يتيح لمنازل أخرى الاستفادة من هذا الفائض ويقلل الهدر.

ثانيًا: برنامج  (Peak Shaving)  –  تخفيف الحمل وقت الذروة

كل شبكة كهرباء تواجه ساعات يُسمى فيها الطلب “عاليًا جدًا” – مثل الظهيرة في الصيف. في هذه الساعات يزداد الضغط على الشبكة.

هنا يأتي دور برنامج Peak Shaving الذي يعمل على:

  • تقليل استهلاك الكهرباء في هذه الفترات.
  • نقل جزء من الأحمال إلى مصادر بديلة مؤقتة.
  • أو إيقاف تشغيل بعض الأجهزة غير الضرورية.

فوائده:

  • تقليل احتمالية الانقطاعات.
  • تخفيف الضغط على المحطات.
  • تقليل تكاليف الإنتاج.

مثال عام:

في يوم صيفي حار، تتوقع شركة الكهرباء أن يصل الاستهلاك إلى ذروته في الثانية ظهراً بسبب تشغيل مكيفات الهواء على نطاق واسع، مما يشكل ضغطاً كبيراً على الشبكة ويهدد بحدوث انقطاعات.

لحل هذه المشكلة، تعلن الشركة عن تطبيق “تعرفة الذروة” حيث يصبح سعر الكهرباء أعلى بكثير خلال ساعات الذروة، بينما يبقى منخفضاً في ساعات الليل. استجابة لذلك، يقوم أحد المصانع بتأجيل عملياته كثيفة الاستهلاك للطاقة إلى نوبة الليل، ويقوم أحد المجمعات التجارية برفع درجة حرارة التكييف المركزى قليلاً خلال فترة الذروة، بينما يختار العديد من الأسر تشغيل الغسالات وشحن السيارات الكهربائية في المساء.

ثالثًا: برنامج  (Load Displacement)  –  إعادة توزيع الاستهلاك

هذا البرنامج يعتمد على فكرة بسيطة جدًا:

بدل أن نستهلك الطاقة كلها وقت الذروة… ننقل جزءًا منها إلى وقت آخر.

مثل:

  • تشغيل بعض العمليات الصناعية ليلًا بدلًا من النهار.
  • استخدام الطاقة الشمسية نهارًا وتقليل الاعتماد على الشبكة.

الفائدة:

  • تخفيف الأحمال.
  • استخدام الطاقة المتجددة في الوقت المناسب.
  • رفع كفاءة التشغيل على مدار اليوم.

مصنع كبير يُبرمج تشغيل أفرانه في الليل بدل النهار لتخفيف الحمل على الشبكة.

وبعد،

لقد استعرضنا في هذا الجزء الأسس التقنية للشبكة الذكية وكيفية تحويل المستهلك إلى شريك فاعل، مجيبين بذلك عن سؤال “كيف” تعمل هذه المنظومة. ويبقى السؤال الجوهري عن العائد الحقيقي لهذا الاستثمار التقني الضخم. في الجزء الثاني، سينتقل زميلي م. عبدالله الشهراني إلى الجانب التطبيقي لاستعراض القيمة الاقتصادية الملموسة لهذه البرامج، ودور الذكاء الاصطناعي كعقل مدبّر للشبكة. كما سنسلط الضوء على نماذج تطبيقية ناجحة ومفهوم “العضوية الخضراء” الذي يعزز تفاعل المستهلك في هذا التحول الاستراتيجي.

 

 

مشاركة المقالة على :
فيسبوك
منصة 𝕏
لينكدن
واتساب
البريد الاكتروني