خلال السنوات الأخيرة، انتقلت أبحاث التحليل الكهربائي للماء إلى مرحلة جديدة. فلم يعد السؤال الرئيس مقتصرًا على تطوير محفز أكثر نشاطًا، أو الوصول إلى كثافة تيار مرتفعة داخل خلية صغيرة في المختبر، بل أصبح أكثر ارتباطًا بما يحدث بعد نجاح الخلية: هل يمكن الحفاظ على الأداء نفسه عندما تتكرر الخلايا عشرات أو مئات المرات داخل مكدس؟ وهل يستطيع هذا المكدس أن يصبح جزءًا من منشأة صناعية تعمل باستقرار لآلاف الساعات؟.[1]
قد يبدو الانتقال بسيطًا للوهلة الأولى؛ فإذا نجحت خلية واحدة، يمكن زيادة عدد الخلايا للحصول على إنتاج أكبر. لكن الدراسات التي تابعت هذا الانتقال عمليًا أظهرت أن العلاقة ليست بهذه البساطة. فمع زيادة الحجم تبدأ عوامل جديدة في الظهور: يختلف الضغط من منطقة إلى أخرى، ولا يتوزع الماء والتيار والحرارة دائمًا بالتساوي، وتظهر مسارات كهربائية جانبية، كما تصبح إدارة الغازات والتبريد والتوقف والصيانة جزءًا من أداء النظام نفسه. [2]
وهنا يتغير معنى النجاح، ففي المختبر يمكن أن يكون الأداء المرتفع لخلية منفردة نتيجة علمية مهمة، أما في الصناعة فإن النجاح يتطلب آلاف الوحدات التي تعمل بدرجة متقاربة من الكفاءة والاستقرار.[2-4] وقد أظهر Selamet وزملاؤه هذه الفجوة عمليًا أثناء تطوير محلل كهربائي بتقنية غشاء تبادل البروتونات. فلم ينتقل الباحثون مباشرة من خلية مفردة إلى مكدس كبير، بل مروا تدريجيًا بمكدسات من ثلاث وخمس خلايا قبل الوصول إلى مكدس من عشر خلايا.[5] وخلال هذا الانتقال لم يكن تحسين المحفز وحده هو العامل الحاسم؛ بل كان لا بد من إعادة النظر في توزيع الماء والتيار، وضغط التجميع، وتصميم أجزاء المكدس. وفي النهاية، استطاع النظام إنتاج نحو خمس لترات من الهيدروجين في الدقيقة عند كثافة تيار بلغت 1.35 أمبير لكل سنتيمتر مربع، مع تحسن واضح في كفاءة الخلية خلال مراحل التطوير. هذه النتيجة تلخص أحد أهم دروس التوسع الصناعي: الخلية الجيدة هي نقطة البداية، وليست المنتج النهائي.

الشكل 1. التدرّج الهندسي لمنظومة التحليل الكهربائي للماء بتقنية غشاء تبادل البروتون (PEM)، بدءًا من (1) مكونات الخلية المفردة، ثم (2) تجميع الخلايا ضمن المكدس ، و(3) تقييم تجانس الأداء الكهروكيميائي للخلايا باستخدام منحنيات الاستقطاب ، (4) وصولًا إلى منظومة اختبار المكدس المتكاملة والتحكم في ظروف التشغيل وتدفقات الغازات وتسجيل البيانات .[5]
- عندما تتوقف الخلية عن العمل بمفردها
داخل المختبر يمكن التحكم في الخلية بصورة شبه مستقلة؛ فدرجة الحرارة معروفة، وتدفق الماء مضبوط، والمساحة محدودة، ويمكن مراقبة الجهد والتيار بسهولة. لكن عندما تدخل الخلية داخل مكدس، تتغير البيئة من حولها. تضاف ألواح ثنائية القطب تفصل الخلايا وتربطها كهربائيًا، وألواح نهاية تحمل الأحمال الميكانيكية، وحشوات تمنع تسرب الماء والغاز، وممرات مشتركة لتوزيع السوائل، وأنظمة للتبريد والتجميع. وهكذا تصبح كل خلية جزءًا من شبكة أكبر تتبادل معها الكهرباء، والحرارة، والضغط، والموائع.[6] ومن هنا تظهر مشكلة لا تكون واضحة دائمًا في الخلية المفردة: ليست كل الخلايا متطابقة أثناء التشغيل. فقد ترتفع مقاومة خلية أكثر من غيرها، أو يصل إليها ماء أقل، أو تعمل عند درجة حرارة أعلى، أو تتعرض لضغط مختلف. وقد يبدو أداء المكدس الكلي طبيعيًا، بينما توجد داخله خلية تتعرض لإجهاد أكبر وتتدهور بوتيرة أسرع.[7]
وهنا يصبح التحدي الصناعي الحقيقي هو التجانس. ليس المطلوب فقط أن تعمل الخلايا، بل أن تعمل ضمن ظروف متقاربة؛ لأن الاختلاف الصغير الذي يمكن تجاهله في تجربة قصيرة قد يصبح مع آلاف ساعات التشغيل بداية لسلسلة من التدهور. ويمكن النظر إلى المكدس على أنه التقاء أربع منظومات في آن واحد: منظومة كهربائية توزع التيار، ومنظومة ميكانيكية تضبط الضغط والتلامس، ومنظومة مائعية تنقل الماء والغازات، ومنظومة حرارية تزيل الحرارة وتحافظ على درجة التشغيل المطلوبة. وما يحدث في واحدة منها لا يبقى محصورًا داخلها. فقد يبدأ الخلل من ضغط غير متجانس، ثم يظهر كمقاومة كهربائية أعلى، ثم يتحول إلى حرارة محلية، وبعد ذلك إلى تدهور أسرع لمكونات الخلية.

الشكل 2. المكدس بوصفه منظومة متعددة الفيزياء؛ إذ يرتبط الأداء النهائي بالتفاعل المتزامن بين التوصيل الكهربائي، وضغط التجميع والتلامس، وتوزيع الماء والغازات، وانتقال الحرارة. ويمكن لاضطراب أحد هذه المجالات أن ينتقل إلى بقية المنظومة ويظهر في صورة تغير في الجهد أو الكفاءة أو معدل التدهور.
- الضغط: تفصيل ميكانيكي بنتائج كهربائية
قد يبدو ضغط التجميع أحد أبسط أجزاء تصميم المكدس؛ إذ توضع الخلايا بين ألواح النهاية وتشد المكونات معًا للحفاظ على الإحكام ومنع التسرب. لكن الدراسات الحديثة أظهرت أن هذا الضغط يؤثر في الأداء بصورة أعمق بكثير. فالضغط المنخفض قد يترك بعض المكونات في تماس كهربائي ضعيف، ما يرفع مقاومة التلامس ويزيد الطاقة المفقودة. أما الضغط المفرط فقد يضغط الطبقات المسامية أكثر من اللازم، ويحد من الفراغات التي يجب أن يمر خلالها الماء وتغادر منها فقاعات الهيدروجين والأكسجين.[8-10]
بعبارة أخرى، يمكن أن يكون الضغط قليلًا جدًا أو كبيرًا جدًا، وفي الحالتين يدفع النظام ثمن ذلك. [11, 12]وتزداد المشكلة عندما لا يتوزع الضغط بالتساوي. ففي أنظمة التجميع التقليدية قد يتركز الحمل بالقرب من البراغي والحواف، بينما تحصل المنطقة الوسطى على ضغط أقل. وبهذا يمكن أن تعمل أجزاء مختلفة من الخلية نفسها تحت ظروف ميكانيكية وكهربائية مختلفة. لهذا أصبحت ألواح النهاية مجالًا بحثيًا بحد ذاته. فبدل زيادة سمك اللوح وإضافة المزيد من المعدن، بدأ الباحثون في إعادة تصميم شكله وتوزيع المادة داخله، واستخدام تحسين الطوبولوجيا والضغط الهوائي وهياكل مسامية قادرة على إعادة توزيع الحمل.
وفي إحدى الدراسات الحديثة، استُخدمت طبقة من رغوة الألومنيوم المسامية داخل لوح نهاية ذي بنية شطيرية. كانت الفكرة بسيطة من الناحية المفاهيمية: عندما تتعرض منطقة ما لضغط أعلى، تسمح البنية المسامية لها بالتشوه بصورة محسوبة، فتنتقل نسبة من الحمل إلى المناطق الأقل ضغطًا.[13] وبهذا لم يعد التشوه نفسه مشكلة، بل أصبح أداة لتوزيع الضغط بصورة أكثر تجانسًا. وتكشف هذه الدراسات فكرة مهمة بالنسبة إلى المحللات الصناعية: ما يبدأ كاختيار ميكانيكي في تصميم لوح النهاية قد يظهر لاحقًا في صورة فرق في المقاومة والجهد وكفاءة الطاقة.
- عندما يسلك التيار طريقًا آخر
حتى بعد تحسين الضغط، يظهر تحدٍ آخر داخل المكدسات الكبيرة: التيار لا يمر دائمًا في الطريق الذي صُمم له. في المكدس المثالي، يفترض أن يمر التيار عبر الخلايا واحدة تلو الأخرى ويشارك في التفاعلات المسؤولة عن إنتاج الهيدروجين والأكسجين. لكن المكدسات الصناعية تحتوي على قنوات وممرات مشتركة ومكونات معدنية وإلكتروليتات موصلة، وهو ما يخلق مسارات بديلة للتيار[14-16]. ومن أبرز هذه الظواهر ما يعرف بالتيارات الجانبية، التي تظهر بصورة خاصة في المكدسات القلوية. فالإلكتروليت الموجود داخل القنوات المشتركة بين الخلايا يستطيع حمل الشحنة، وقد يجد جزء من التيار طريقًا عبر هذه القنوات بدل المرور داخل الخلايا بالطريقة المطلوبة.
وهذا التيار لا يختفي ببساطة؛ فالجزء الذي لا يشارك في إنتاج الهيدروجين يمثل خسارة في الكفاءة، كما يمكن أن يتحول جزء من طاقته إلى حرارة داخل الممرات. ومع زيادة عدد الخلايا وطول المكدس، تصبح إدارة هذه المسارات أكثر أهمية. ولهذا اتجهت بعض التصاميم إلى تقسيم المكدسات الكبيرة إلى مكدسات فرعية أقصر لتقليل المسارات الجانبية. لكن حتى هذا الحل ليس مجانيًا؛ فإعادة تصميم قنوات الإلكتروليت بطريقة ترفع مقاومتها الكهربائية قد تجعل حركة السائل نفسها أكثر صعوبة وتزيد فقد الضغط. وهذه واحدة من أكثر السمات تكرارًا في هندسة المحللات: حل مشكلة في مجال ما قد يخلق قيدًا جديدًا في مجال آخر.
إلى جانب التيارات الجانبية، يمكن أن تظهر تيارات طفيلية نتيجة مشاركة مكونات معدنية غير مقصودة في تفاعلات كهروكيميائية، ما قد يؤدي إلى التآكل أو استهلاك جزء من الطاقة[17]. أما أثناء خفض الحمل أو إيقاف المكدس، فتظهر ظاهرة أكثر إثارة للاهتمام. فقد تبقى كميات من الهيدروجين والأكسجين داخل الخلايا بعد توقف مصدر الكهرباء، وتصبح بعض الألواح في حالة كهربائية عائمة. وعندها يمكن لبعض التفاعلات أن تسير في الاتجاه المعاكس، بحيث يتصرف جزء من المكدس للحظات بطريقة تشبه خلية وقود صغيرة بدل كونه محللًا كهربائيًا. لهذا السبب لا يعد إيقاف المكدس مجرد الضغط على زر التشغيل والإيقاف، بل هو مرحلة كهروكيميائية تحتاج إلى إدارة دقيقة.

الشكل 3. المسارات الأساسية للتيار داخل المكدس ثنائي القطب.
- الفقاعات الصغيرة التي تصبح مشكلة كبيرة
داخل المحلل الكهربائي تتشكل فقاعات الهيدروجين والأكسجين باستمرار. وفي خلية صغيرة قد تبدو إزالتها مسألة بسيطة، لكن عند الوصول إلى كثافات تيار مرتفعة ومساحات كبيرة، تصبح حركة هذه الفقاعات جزءًا أساسيًا من الأداء. إذا بقيت الفقاعات ملتصقة بسطح القطب، فإنها تحجب أجزاءً من المنطقة التي يفترض أن يصل إليها الماء والإلكتروليت.[18, 19] ومع تقلص المساحة المتاحة للتفاعل، يضطر التيار إلى التركز في المناطق الأخرى. والنتيجة قد تكون توزيعًا غير متجانس للتيار، ومناطق ذات حرارة أعلى، وخسائر أكبر في انتقال المواد. ولهذا فإن تصميم قنوات الجريان لا يحدد فقط كيفية دخول الماء وخروج الغاز؛ بل يؤثر بصورة غير مباشرة في توزيع التيار والحرارة داخل الخلية. وتظهر المشكلة نفسها عندما لا تحصل الخلايا على كميات متساوية من الماء. فالخلية التي يصل إليها تدفق أقل قد تعمل في ظروف مختلفة عن جارتها، ومع الزمن يبدأ أداء المكدس في التباعد. لذلك فإن الماء والغاز والتيار والحرارة ليست أربع قضايا منفصلة، بل أربعة وجوه للمشكلة نفسها.

الشكل 4. تأثير تراكم فقاعات الغاز في المساحة الكهروكيميائية الفعالة وتوزيع التيار.
- الحرارة: ما لا يتحول إلى هيدروجين لا يختفي
جزء من الكهرباء الداخلة إلى المكدس يتحول إلى خسائر حرارية نتيجة المقاومة والعمليات غير المثالية. وفي الأنظمة الصغيرة يمكن إزالة هذه الحرارة بسهولة نسبيًا، لكن الأمر يصبح أكثر حساسية عندما تزداد مساحة المكدس والتيارات المارة فيه. إذا لم يكن التبريد متجانسًا، تظهر فروق في درجة الحرارة بين الخلايا أو حتى عبر مساحة الخلية الواحدة. ويمكن لهذه الفروق أن تغير المقاومة وحركية التفاعل وخواص الأغشية وسرعة التدهور. وتنشأ بذلك دائرة مترابطة: منطقة أكثر مقاومة تنتج حرارة أكبر، والحرارة تغير خواص المواد، وهو ما قد يؤدي إلى تغير إضافي في المقاومة والأداء. لهذا أصبحت الإدارة الحرارية جزءًا من تصميم المكدس نفسه، وليس نظامًا مساعدًا يضاف إليه في مرحلة لاحقة.
- لماذا لا تكون أعلى كثافة تيار هي أفضل نقطة تشغيل؟
في كثير من الأبحاث المختبرية، يعد الوصول إلى كثافة تيار مرتفعة إنجازًا مهمًا. لكنه لا يجيب وحده عن سؤال التشغيل الصناعي. فالمكدس الذي يعمل عند حمل منخفض جدًا قد يعاني بصورة نسبية أكبر من عبور الغازات والتيارات الجانبية وبعض حالات عدم الاستقرار. وفي المقابل، يؤدي التشغيل عند تيارات مرتفعة إلى زيادة الحرارة والفقاعات والخسائر الأومية ومتطلبات انتقال المواد[20]. وبين الطرفين توجد نافذة تشغيل تحقق توازنًا بين معدل إنتاج الهيدروجين وكفاءة الطاقة والاستقرار والعمر التشغيلي[7, 21]. وتزداد أهمية هذه النافذة عندما لا يحصل المحلل على قدرة ثابتة، بل يتعرض لتغيرات متكررة في الحمل وعمليات بدء وتوقف. وعندها تصبح القدرة على العمل المتكرر تحت ظروف مختلفة جزءًا من تقييم الجاهزية الصناعية، لا مجرد سرعة استجابة الجهاز.

الشكل 5. التمثيل المفاهيمي لنافذة تشغيل المكدس.
- ضغط الهيدروجين: هل نضغطه داخل المحلل أم بعده؟
يضيف التشغيل تحت ضغط مرتفع مفاضلة أخرى، فإنتاج الهيدروجين عند ضغط أعلى قد يقلل العمل المطلوب لضغطه لاحقًا، وهي ميزة مهمة لبعض التطبيقات.[22] لكن الضغط الأعلى يعني أيضًا متطلبات أكثر صرامة للأختام والمواد والسلامة والتحكم في عبور الغازات. ولهذا لا يمكن الإجابة عن السؤال من داخل الخلية وحدها. يجب مقارنة تكلفة وتعقيد تشغيل محلل مضغوط مع خيار إنتاج الهيدروجين عند ضغط أقل ثم ضغطه في مرحلة لاحقة. وفي هذه الحالة تصبح كفاءة النظام الكلي، وليس كفاءة المكدس منفردًا، هي معيار الحكم. [20]
- عندما يصبح الماء جزءًا من التصميم الصناعي
في المختبر، يبدو الماء موردًا بسيطًا؛ فكمياته صغيرة وجودته يمكن التحكم فيها بسهولة. أما في المنشآت الصناعية، فإن معالجة مياه التغذية تصبح جزءًا من البنية التحتية للمشروع. وتصبح المسألة أكثر تعقيدًا إذا كان المورد المتاح هو مياه البحر.[23, 24] فمياه البحر ليست ماءً نقيًا، وإنما بيئة كيميائية تحتوي على الكلوريد والمغنيسيوم والكالسيوم ومواد عضوية وشوائب أخرى. يمكن للكلوريد أن يشارك في تفاعلات منافسة ويسرع تآكل بعض المواد، بينما يمكن للمغنيسيوم والكالسيوم تكوين ترسبات على الأسطح وتقليل المناطق الفعالة للتفاعل. وتظهر هنا فجوة أخرى بين المختبر والصناعة: مادة تعمل بصورة ممتازة لساعات في محلول اصطناعي لا تكون بالضرورة جاهزة للعمل لآلاف الساعات في مياه حقيقية ذات تركيب يتغير مع المكان والزمان. ولهذا كلما اقتربت التجربة من التطبيق الصناعي، أصبح الوسط الحقيقي جزءًا من الاختبار نفسه.
- من المكدس إلى الجيجاواط: الأكبر ليس دائمًا مكدسًا أكبر
عند الحديث عن منشآت بمئات الميجاواط أو الجيجاواط، قد يتبادر إلى الذهن مكدس هائل الحجم.[1] لكن التوسع الصناعي لا يسير عادة بهذه الصورة. هناك مساران أساسيان. الأول هو زيادة قدرة المكدس نفسه، من خلال زيادة مساحة الخلايا أو عددها. والثاني هو الحفاظ على وحدة ذات حجم مناسب ثم تكرارها مرات عديدة. وهذا المسار الثاني، المعروف بالتوسع عن طريق الوحدات المعيارية، يحول المنشأة تدريجيًا من خلية إلى مكدس، ثم إلى وحدة، ثم إلى مجموعة من الوحدات التي تشكل بلوكات ميجاواطية، وصولًا إلى منشأة ذات قدرة كبيرة. ويمتلك هذا النهج ميزة مهمة: يمكن عزل وحدة للصيانة من دون إيقاف المنشأة كاملة، كما يمكن توحيد التصنيع والاختبار وقطع الغيار. لكن التعقيد لا يختفي؛ بل ينتقل إلى مستوى أعلى. فعندما تحتوي المنشأة على أعداد كبيرة من المكدسات، يجب توزيع الكهرباء والماء والتبريد بينها، ومراقبة أدائها، وتحديد الوحدات التي بدأت في التدهور، وتخطيط الصيانة بطريقة لا تعطل الإنتاج. إضافة إلى ذلك، لا تمثل المكدسات سوى قلب المنظومة. فحولها توجد معالجة المياه، والمضخات، والمبادلات الحرارية، وفواصل الغاز والسائل، والتنقية، والضغط، وأجهزة التحكم والسلامة وغيرها من المعدات التي تعرف مجتمعة باسم Balance of Plant . ولهذا فإن كفاءة الخلية ليست هي كفاءة المكدس، وكفاءة المكدس ليست هي كفاءة المنشأة. كلما صعدنا في المقياس، أضفنا وظائف جديدة واستهلاكًا جديدًا للطاقة وتعقيدًا جديدًا في التشغيل.

الشكل 6. اتساع حدود نظام التحليل الكهربائي مع الانتقال من الخلية إلى المنشأة الصناعية.
- ما الذي ينبغي أن يبحث عنه الباحث بعد المختبر؟
عندما يكون الهدف تطوير مادة جديدة، يكون من الطبيعي أن يبدأ الباحث بأسئلة مثل: هل المادة نشطة؟ هل تقلل الجهد المطلوب؟ وهل تعمل بثبات في الاختبار الأولي؟
لكن إذا كان الهدف الاقتراب من التطبيق الصناعي، يجب أن تتوسع الأسئلة.[7] هل تحافظ الخلايا المختلفة على أداء متقارب؟ هل يتغير جهد إحداها أسرع من البقية؟ كيف يتوزع الضغط؟ وهل توجد مناطق أكثر سخونة؟ هل يصل الماء إلى جميع الخلايا بالمعدل نفسه؟ ما نقاوة الهيدروجين؟ وكيف يتغير الأداء عند الأحمال الجزئية أو عند التشغيل والإيقاف المتكرر؟
والأهم: ما معدل التدهور بعد مئات أو آلاف الساعات؟
هذه الأسئلة لا تقلل من قيمة القياسات الكهروكيميائية التقليدية، بل تضعها في سياق أكبر. فهناك فرق كبير بين إثبات أن المادة نشطة، وإثبات أنه يمكن بناء خلية جيدة منها، ثم إثبات أنه يمكن تشغيل عدد كبير من هذه الخلايا بصورة مستقرة وموثوقة واقتصادية. والمرحلة الأخيرة هي التي تحدد في النهاية مدى اقتراب التقنية من الصناعة.
- الخاتمة
يكشف الانتقال من المقياس المعملي إلى مستوى الجيجاواط أن التوسع في إنتاج الهيدروجين الأخضر عبر التحليل الكهربائي ليس مجرد عملية تكبير عددي (Scaling-up)، بل هو تحول جذري في طبيعة التحدي الهندسي ذاته. فإذا كانت الخلية المفردة تُتيح فهم حركية التفاعلات والمحفزات، فإن المكدس يفرض واقعًا جديدًا تتداخل فيه ميكانيكا الضغط والتلامس، وتوازنات الحرارة، وتوزيع الموائع والتيارات الجانبية. ومع الانتقال إلى المنشأة الصناعية الكاملة، تتسع حدود المشكلة لتشمل معالجة المياه، وفصل الغازات، وإدارة الحمل المتغير، ومُعدات البنية التحتية المساعدة (Balance of Plant). وهكذا، لا تتضاعف التقنية بتكرار الخلايا تلقائيًا؛ فمع كل مستوى قياسي تظهر أنماط جديدة من عدم التجانس، والفقد الأومي، والقيود التشغيلية.
إن الإنجاز الكهروكيميائي في المختبر يظل شرطًا أساسيًا لكنه غير كافٍ لإثبات الجاهزية الصناعية. فالنجاح الحقيقي يُقاس بالقدرة على الحفاظ على الاستقرار والموثوقية وكفاءة الطاقة عبر آلاف الخلايا وساعات التشغيل المتواصلة في ظروف واقعية.
في النهاية، لا تُقاس قابلية التوسع بحجم المكدسات أو عددها، بل بقدرة هذه المنظومة متعددة الفيزياء على العمل كنسيج واحد متناغم. وهنا تحديدًا يتحول التحليل الكهربائي من تجربة ناجحة على المنضدة إلى منظومة طاقة قادرة على قيادة اقتصاد الهيدروجين الأخضر.
- المراجع
[1] P. Millet, R. Ngameni, S. Grigoriev, N. Mbemba, F. Brisset, A. Ranjbari, et al., “PEM water electrolyzers: From electrocatalysis to stack development,” International Journal of hydrogen energy, vol. 35, pp. 5043-5052, 2010.
[2] B. Xu, Y. Yang, J. Li, D. Ye, Y. Wang, L. Zhang, et al., “A comprehensive study of parameters distribution in a short PEM water electrolyzer stack utilizing a full-scale multi-physics model,” Energy, vol. 300, p. 131565, 2024.
[3] F. Xiao, K. Wang, L. Ta, Y. Li, X. Li, Z. Liao, et al., “A rapid calculation approach for PEM electrolyzer stack simulation based on flow resistance network and 3+ 1D multi-physics model,” Energy, p. 141299, 2026.
[4] X. Guan, J. Bai, J. Zhang, and N. Yang, “Multiphase flow in PEM water electrolyzers: a mini-review,” Current Opinion in Chemical Engineering, vol. 43, p. 100988, 2024.
[5] Ö. F. Selamet, F. Becerikli, M. D. Mat, and Y. Kaplan, “Development and testing of a highly efficient proton exchange membrane (PEM) electrolyzer stack,” International Journal of hydrogen energy, vol. 36, pp. 11480-11487, 2011.
[6] D. Aymé-Perrot and H. H. Girault, “Bipolar plates in water electrolysis stacks: understanding basics and electrochemical aspects impacting the energy efficiency during operation,” Electrochimica Acta, p. 148305, 2026.
[7] E. Wallnöfer-Ogris, I. Grimmer, M. Ranz, M. Höglinger, S. Kartusch, J. Rauh, et al., “A review on understanding and identifying degradation mechanisms in PEM water electrolysis cells: Insights for stack application, development, and research,” International Journal of Hydrogen Energy, vol. 65, pp. 381-397, 2024.
[8] J. Liu, Y. Yang, F. Kerner, and D. Schröder, “Unraveling the impact of compression on the performance of porous transport layers in water Electrolyzers,” Applied Energy, vol. 381, p. 124982, 2025.
[9] M. Stähler, A. Stähler, F. Scheepers, M. Carmo, W. Lehnert, and D. Stolten, “Impact of porous transport layer compression on hydrogen permeation in PEM water electrolysis,” International journal of hydrogen energy, vol. 45, pp. 4008-4014, 2020.
[10] T. Srour, K. Kumar, V. Martin, L. Dubau, F. Maillard, B. Gilles, et al., “On the contact resistance between the anode and the porous transport layer in a proton exchange membrane water electrolyzer,” International Journal of Hydrogen Energy, vol. 58, pp. 351-361, 2024.
[11] E. C. Ortiz, N. van Treel, S. Koch, S. Vierrath, and M. Bühler, “The effect of compression on PEM Electrolyzer membrane electrode Assemblies,” Journal of Power Sources, vol. 614, p. 235018, 2024.
[12] S. Stiber, H. Balzer, A. Wierhake, F. J. Wirkert, J. Roth, U. Rost, et al., “Porous transport layers for proton exchange membrane electrolysis under extreme conditions of current density, temperature, and pressure,” Advanced Energy Materials, vol. 11, p. 2100630, 2021.
[13] H. Wang, Y. Li, H.-b. Tao, and N. Zheng, “Lightweight and high stress uniformity sandwich endplate for PEM electrolytic stack: Experimental and numerical study,” International Journal of Hydrogen Energy, vol. 261, p. 156688, 2026.
[14] G. Hysa, T. Anttilainen, V. Ruuskanen, S. Pöyhönen, A. Kosonen, M. Niemelä, et al., “Modelling and study of shunt currents in an industrial alkaline water electrolyser with various number of cells in series,” IET Renewable Power Generation, vol. 19, p. e70112, 2025.
[15] Y. Uchino, T. Kobayashi, S. Hasegawa, I. Nagashima, Y. Sunada, A. Manabe, et al., “Relationship between the redox reactions on a bipolar plate and reverse current after alkaline water electrolysis,” Electrocatalysis, vol. 9, pp. 67-74, 2018.
[16] S. Siracusano, V. Baglio, N. Briguglio, G. Brunaccini, A. Di Blasi, A. Stassi, et al., “An electrochemical study of a PEM stack for water electrolysis,” International Journal of hydrogen energy, vol. 37, pp. 1939-1946, 2012.
[17] Y. Uchino, T. Kobayashi, S. Hasegawa, I. Nagashima, Y. Sunada, A. Manabe, et al., “Dependence of the reverse current on the surface of electrode placed on a bipolar plate in an alkaline water electrolyzer,” Electrochemistry, vol. 86, pp. 138-144, 2018.
[18] A. Angulo, P. van der Linde, H. Gardeniers, M. Modestino, and D. F. Rivas, “Influence of bubbles on the energy conversion efficiency of electrochemical reactors,” Joule, vol. 4, pp. 555-579, 2020.
[19] B. Ross, S. Haussener, and K. Brinkert, “Impact of gas bubble evolution dynamics on electrochemical reaction overpotentials in water electrolyser systems,” The Journal of Physical Chemistry C, vol. 129, pp. 4383-4397, 2025.
[20] M. Schalenbach, M. Carmo, D. L. Fritz, J. Mergel, and D. Stolten, “Pressurized PEM water electrolysis: Efficiency and gas crossover,” International Journal of Hydrogen Energy, vol. 38, pp. 14921-14933, 2013.
[21] C. R. Wang, J. M. Stansberry, R. Mukundan, H.-M. J. Chang, D. Kulkarni, A. M. Park, et al., “Proton exchange membrane (PEM) water electrolysis: cell-level considerations for gigawatt-scale deployment,” Chemical Reviews, vol. 125, p. 1257, 2025.
[22] M. N. I. Salehmin, T. Husaini, J. Goh, and A. B. Sulong, “High-pressure PEM water electrolyser: A review on challenges and mitigation strategies towards green and low-cost hydrogen production,” Energy Conversion and Management, vol. 268, p. 115985, 2022.
[23] H. Shi, T. Wang, J. Liu, W. Chen, S. Li, J. Liang, et al., “A sodium-ion-conducted asymmetric electrolyzer to lower the operation voltage for direct seawater electrolysis,” Nature Communications, vol. 14, p. 3934, 2023.
[24] S. Bolar, S. Shit, N. Chandra Murmu, and T. Kuila, “Progress in theoretical and experimental investigation on seawater electrolysis: opportunities and challenges,” Sustainable Energy & Fuels, vol. 5, pp. 5915-5945, 2021.

